صرخة أُم .. “يحْـــــــرُم عَلَيّ العــــيد والنوم منذ اختفائك يا بُني” + “فيديو”




مهما طال زمان غياب المرء أو اختفاؤه أو فاته، ومهما تعاقبت الشهور والأيام بلياليها المظلمة حالكة السواد، ومهما ذكَرَه الذاكرون وتفكرّه المتفكرون، لابد أن يأتي يوم يخرج فيه المرء من ذاكرة هؤلاء، إلا من واحدة، ألا وهي الأم الحنونة التي تبقى وفية للعهد، لم تفارقها صورة ابنها الغالي الغائب، ليبقى قلبها معلقا في سماء الرجاء لعل طارق يطرق الباب في يوم من الأيام حاملا مع بشرى اللقاء بعد غياب طويل… تلك هي الأم مهما تكالبت عليها الأيام بظروفها القاسية والمؤلمة، ومهما انشغلت بأمور الدنيا الفانية وهموم الزمان القاهرة، فإن قلبها الطاهر الصافي الأبيض بياض الثلج يبقى معلقاً مع “ابن بطنها الذي نما في أحشائها وغذته من دمها، تنظره في كل لحظة وحين ليعيد البسمة من جديد.

إنهن الأمهاء اللواتي لم يذُقن لقمة العيش ولا ملذة الحياة حزنا على فراق أبنائهن ممن غابوا او اختفوا أو توفوا، إنها حكايات مبكية أبطالها أمهات مكلومات، حاول طاقم هبة بريس النبش في إحداها فوجدت من بينها حكاية سيدة ظلت تبكي فوق سطح منزلها خلسة من زوجها وأبنائها كاتمة سرها لمدة خمس سنوات دون ان تفقد الأمل في يوم من الأيام من معانقة ابنها.

إنها قصة سيدة تسكن بحي مشروع السلام 1 بالبيضاء، تبكي حالها من فراق ابنها الذي غادر باب البيت دون رجعة، لتظل متشبة بخيوط الأمل لعلها تُوصلها إلى بصيص أمل يكون بشارة خير لوضع حد لمعاناتها التي طالت.

خمس سنوات من الدموع على أمـــــــل اللقاء

تَـــــشُمُ رائحة ملابسه ليل نهار لم تغسلها منذ غيابه المفاجئ، اتخذتها وسادة عند محاولة مع النوم الذي هجر جفونها…تحمل معها صورته عند كل مسجد وصلاة، تُخفي آلامها عند ملاقاة نسوة الحي وهن يتبادلن أطراف الحديث…لتذرف دموع الفراق وديانا جارية على وجنتيها عند عودتها خاوية الوفاض لتجالس نفسها في ظلمة الليل وغياب نور القمر…تلك هو حال أمُّ الشاب صـــــلاح الدين هرواش الذي غادر البيت لما يقارب خمس سنوات، لتنطلق معه الأسرة كاملة بدأً من الأب والأم والإخوة رجالا ونساء في متاهات البحث عن قريبهم وكلهم أمل في معانقته من جديد.

“أنا يا وليدي عِيت بالبكاء فوق سطح الدار وفي حين غفلة من زوجي وأولادي”، “أنا ياوليدي أحمل معي صورته يوميا إلى المسجد وأضع ملابسه تحت وسادتي لأشم رائحته…” “أنا ياوليدي أستعين بالأدوية لكي أنام، لأن النوم هجرني وهجرته منذ اختفاء صلاح الدين”، هذا هو حال أم صلاح الدين التي التقيناها عن قرب من خلال زيارتنا لها، جلست تحكي عن مرارة الفراق راجية من الله عزوجل أن تكتمل فرحتها بعودة ابنها، مؤكدة أن الفرح والمناسبات كلها أشياء غابت من حياتها وحياة أفراد الاسرة، فمهما ظهرت قوية ومتماسكة أمام الجميع يبقى الوجع فى قلبها عند مجالسة نفسها..هكذا حالها….

تحكي أم صلاح انها ومنذ غياب ابنها، ظلت راضية بقضاء الله وقدره، لكن قلبها لازال معلقا بين السماء والأرض في انتظار مصير ابنها “هل هو ميت أم حي”…كلمات سبقتها دموع ونحيب على الابن الغائب الذى لم يعد له أثر.

تحكي ولسان حالها يشكو آهاته للمولى عز وجل وكأنه يقول: سلام لك يا بني من رحم ضمّك جنينا في أحشائه تسعة شهور، وصدر رحب أرضعك لبنا خالصا دافئا شتاء وباردا صيفا، صدر أرضعك محبة وحنانا من قبل أن يرضعك غذاء… سلام عليك يا صلاح الدين منذ أن احتضنتك قطعة لحم لا تقدر على الحركة، وعيني لا تفارقك وأنت تكبر…عُـــــــــدْ إلى أمك يا غالي فلا طعم للأعياد والمناسبات والأفراح والمسرات بدونك..أنتظرك بشغف وسأبقى كذلك حتى أسلم روحي لمالكها وخالقها..

ارجِــــــــــعْ يا بُنيّ

الآن وبعد مرور خمس سنوات على رحيل الإبن، مازالت الأم تتجرع كأس المرارة والحسرة، تنظر حولها فترأى طيفه في كل زاوية وركن من أركان البيت المتواضع، ذلك البيت الذي شهد مراحل عمره القصير. ..هناك في الجهة الأخرى لازال سريره خاليا ينتظر لحظة القدوم، وفي الجهة الأخرى خزانة ملابسه شاهدة على مروره من أمام مراياها….هذا قلمه وهذه دفاتره وتلك محفظته، وهذه أمه تتوسل إليه، إن كنت على قيد الحياة فلبي نداءها، وإن كنت فارقت الحياة فألف رحمة ونور على قبرك، إنها أمك تودعك وتودع معها أحلامها الجميلة التي ظلت دوما تتمنى أن تصبح حقيقةوتزفك كعريس إلى زوجتك….عُـــــــدْ يا صلاح الدين إن الجميع ينتظر لحظة العناق قبل أن يأتي يوم الفراق الحقيقي….عُــــــــــد يا صلاح الدين فأمك تقف على باب الرجاء….

لم يفقد “با الهاشمي” الأمل في معانقة ابنه الغائب صلاح الدين، وكله أمل في ملاقاته في يوم من الأيام إن أطال الله العمر، هكذا يحكي الهاشمي هرواش الأب المكلوم الذي جفت عينيه من الدموع، حزنا على غيابه واختفائه في ظروف وصفها بالغامضة بعد أن رفض الأخير متابعة دراسته والتي رجحها “المتحدث” أن تكون سببا في مغادرة ابنه لحنان الأسرة.

وقف “با الهاشمي” متنهدا قبل أن يستكمل حديثه متوسلا ابنه بالقول : “إن كنت يا بني على قيد الحياة، رجاء عُد إلى بيتك وأسرتك وأخوتك، ارجع يا ولدي فقد سامحناك، عُد الينا إننا في انتظارك، مرحبا بك يا ابني راحنا مْشَوْشِينْ عْلِيك رجاء عُد الينا”.




قم بكتابة اول تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن