تلاوة القرآن على طريقة الكنائس




شاهدت في أحد الفيديوهات حفلا أقيم في بلد من بلدان الشرق الأقصى تم فيه مزج القرآن مع الموسيقى ،على الطريقة المسيحية ، حيث قرئت البسملة والآية 13 من سورة الحجرات كما تقرأ الأناشيد والترانيم المسيحية في الكنائس ، ثم أعيدت قراءتها بطريقة قريبة من المتوارثة ولكن بخلفية موسيقية خفيفة ..
وليس قصدي أن أحكم على هذه التجربة هنا والآن (هذا إضافة إلى أنني لست مفتيا). فالموضوع صعب ومتشعب ومعقد ويتطلب تفكيرا جماعيا حتى لا نصدر أحكاما قاسية على غيرنا ، وحتى لا نسقط – في نفس الوقت – معلوما من الدين بالضرورة أو مبدأ دينيا أساسيا لا يقبل التغيير. وإنما قصدي أن أطرح بعض الأسئلة المنهجية التي أتمنى أن تساهم في إغناء المناقشات التي ستثيرها هذه التجربة بدون شك .. فإذا ما أحسنا طرح السؤال، وكنا متجردين موضوعيين باحثين عن الحق وحده، في سبيل عبادة الله والتقرب إليه، سهل تبين الطريق نحو الجواب، إن شاءالله . فأقول وبالله التوفيق :
هذه التجربة الفريدة من نوعها والصادمة للكثيرين، ستجد في المستقبل من يدافع عنها. أتوقع ذلك ولا أستغربه.وهي تطرح أسئلة كثيرة من قبيل: هل يجب أن تنحصر المقامات التي يشتغل فيها القراء والمجودون المسلمون في ما هو شرقي كمقام “الراست” “والبياتي” و”الصبا” ؟ أم أن كل الشعوب (بدون استثناء) من حقها أن تجود القرآن انطلاقا من تراثها الموسيقي حيث نرى المقرئين الباكستانيين مثلا متأثرين بمقامات الموسيقى الهندية، ونرى مجودين يستخدمون مقام “العجم” وهو غربي كما هو معلوم ؟
فهل من حق المسلم الألماني أو الروسي أن يجود القرآن على طريقة السمفونيات التي تعتبر “تراثا موسيقيا” بالنسبة له؟ وما العمل حين يكون الإسلام دينا عالميا غير منحصر (إلا جزئيا) في خصائص العروبة والثقافة العربية ؟ وأقصد بــ”جزئيا” هنا (كون القرآن منزلا بلغة قريش ومفهوما على مقتضيات اللغة العربية ، وكون ألفاظه ذات خلفية صنعتها البيئة العربية تحديدا).
قد يقبل المسلمون (بعد جدل كبير) أن يجوّد القارئ المسلم القرآن متأثرا بتراثه الموسيقي المحلي ومستلهما له، فيستلهم الصيني مثلا المقام الخماسي الذي ورثه أبا عن جد ، ويتأثر الكردي بأنغامه الكردية المميزة لفنه وهو يجود القرآن، ويتأثر الأمازيغي بأنغامه الفولكلورية الموروثة الخ. لكن الشيء الذي سيبقى صادما ومحل جدل مسترسل هو “استخدام الآلات الموسيقية” في حد ذاته، واستخدام الإيقاع ..

قد يقال وما الفرق بين صوت الحنجرة وصوت الآلة الموسيقية ؟ وما المانع من أن تساير الآلة صوت القارئ (عند قراءة القرآن) دون نشاز أو تلوينات أو انسجامات موسيقية، بحيث تصدر صوتا خفيفا مرافقا للصوت البشري ومطابقا له ؟ فيكون الجواب المستلهم من العلوم الدينية الباطنية (بعيدا عن الخلافات الفقهية) أن الآلات الموسيقية تكمن فيها قوة باطنية قد لا تنسجم مع القوى النورانية الكامنة في القرآن. وقد تكون لها صلة بقوى الدجال وموسيقاه، أو بأوضاع جالبة للظلمات. ولفظ “أوضاع” هنا ، لفظ باطني يطلق على كل ما هو “شكل هندسي” أو “وضع جسدي” أو “إيقاع” ، أو “عدد” أو” صورة” أو “صيغة” أو “تركيبة” أو “توليف” أو تردد وموجة .
والعلم المكلف بتوضيح هذه الأبعاد الخفية يسميه المتصلون بالباطن: “علم تعريف الآداة“. ومن الأفكار الأساسية المتداولة فيه أن كل آلة تشبه عضوا من أعضاء الجسم الإنساني أو الحيواني تكون لها بالضرورة روابط باطنية مع قوى الجسم الذي ترمز إليه وتتشابه مع جزء منه ، وقد تكون لها روابط مع أصنام أو قوى ظلمانية كقوى الدجال وقوى الطلاسم السحرية، وذلك منذ القديم لأن الروابط الباطنية ليست وليدة اليوم. ولعل هذا من أسباب التحذير من “المعازف” في النصوص الدينية المؤسسة، إذا صح أن هناك تحذيرا منها (لأن الحديث أصبح اليوم محل جدل ومراجعات ومساءلات).
ويطرح المتصلون بالباطن طرقا خاصة (مستخرجة من الباطن) لتصحيح الطاقة والترددات المنبعثة من الآلات الموسيقية (ومن الآلات التي يستخدمها الإنسان عموما) حتى تكون غير متدافعة مع قوى النور. وغالبا ما يتطلب ذلك تعديلا في شكل الآلة أو حجمها أو عدد أوتارها أو جعل عدد من الثقوب في مقابضها..الخ. الخ لكنهم يترددون كثيرا في إخراج هذه العلوم إلى العلن حتى لا يجعلوا الناس “في فتنة أكثر من التي هم فيها”، كما يرددون دائما.
وهناك جانب ثالث لاشك أنه يطرح مشاكل وهو: تكرار كلمات القرآن مرة أو مرتين أو ثلاثا (في السمفونية أو الترنيمة) لأسباب لحنية أو إيقاعية.. مع أن النص لم يرد فيه ذلك التكرار. وهذا إن جاز في الأغاني البشرية فهو يشوش على المتن القرآني التوقيفي والمقدس . وقد يؤثر بالتالي على المعنى المستفاد من الآيات.
الجانب الرابع يتمثل في عدم احترام بعض الأشخاص الذين لا يحسنون اللغة العربية لموسيقى كلمات هذه اللغة . فهم لأسباب لحنية أو إيقاعية قد ينطقون كلمة “العالمين” : “العلامن” (بحذف المد من العين والميم وتحويله إلى الألف)، أو كلمة الرسول: “الراسل” (بضم السين ولكن دون مد) وذلك حتى ينسجم نطقهم مع الجملة الموسيقية والإيقاع .. فيمدون ما لا يمد ويحذفون المد مما يجب أن يمد . أو يفخمون ما يجب أن يرقق (فقد يقرؤون حرف اللام في “بسم الله” بتفخيم بدل الترقيق كما ورد في الفيديو الذي أشرنا إليه). وقد يقطعون الكلمة إلى مقاطع صوتية متباعدة وغير ملتحمة بحيث ينفقد معناها. فيقرؤون على سبيل المثال “أكرمكم” هكذا : آ، كرا ، ما ، كم. وكأن الأمر يتعلق بالعلامات الموسيقية السبع الأساسية دو ، ري، مي، فا ، صول، لا ، سي.
الجانب الخامس يتعلق بتوليفات أخرى قد يدعو إليها الناس مستقبلا … فلو قبلنا أن يكون القرآن مصحوبا بالموسيقى واللحن دون أية مشكلة فهل يمكن أن نقبل أن يكون مصحوبا “برقص” أوبرالي هادف، يعبر عن معاني الآيات ؟ سيقال وما العيب في الرقص إذا كان عفيفا غير ذي إيحاءات جنسية ؟ ولكن الرقص هو الآخر له معان رمزية ولحركاته وسكناته روابط باطنية مع قوى وأجسام باطنية منها ما هو إيجابي ومنها ما هو سلبي .. أليس علم الحركات من العلوم الدينية التي أنزلت على النبي شيث عليه السلام ، والتي ورثها عنه الصينيون وأسسوا انطلاقا منها أنظمة “الكونغ فو ” والفنون الحربية عموما والتاي شي شوان ؟ ولم يسلم ما أسسوه من التغيير والتحريف والاختلاط بالتنجيم وعلم الحروف وحركات وأوضاع الأصنام والحيوانات مما غير مورد الاستمداد ونوعية القوى المستمدة ؟ ..
الجانب السادس يتعلق بعلاقة قراءة القرآن بالإيقاع …. فالمعلوم أن القرآن يقرأ في مقامات ( شبيهة بمقامات الموسيقى ) ولكن بدون إيقاعات. فلو تم – باسم تجديد وتحديث مزعومين – إدراج إيقاعات من نوع ستة على ثمانية ، أو “المصمودي”، أو “البلدي” ، في القراءة فسيصبح للأمر صبغة أخرى. فلا يعود هناك فرق بين قراءة القرآن وبين الأغاني سوى الكلمات… وفي هذه الحالة التي نسأل الله أن تبقى مجرد فرضية ، أين يجب أن نضع الحدود الفاصلة بين هذا وذاك ؟
لا شك أن هذه بعض الأسئلة التي يجب أن يتناولها العلماء والمفتون بالدراسة حتى تكون مواقفهم قوية، وحتى لا يرد (بضم الياء) على المنكرين- من موقع الحداثة والتجديد – بأنهم رجعيون وجامدون لا يقبلون تجديد طرق التعامل مع النص القرآني قراءة وتجويدا وأداء وتضمينا. ولا يقبلون الحوار بينه وبين الموسيقى التي هي نتاج بشري وتراث حضاري يدل على الرقي والتمدن والوعي الروحي .

هناك شيء واحد أود التشديد عليه في هذا المقام وهو ضرورة تجنب التكفير ونحن نناقش هذا الموضوع .. إن “الحرام” و”البدعة” ليسا مرادفين للكفر … كما أن هناك كفرا نظريا (حقيقيا) وآخر عمليا (مجازيا) لا يخرج من الملة.. وهذا شيء معروف عند علماء الإسلام .
ولا شك أن هناك من يجهل هذه الفوارق ويتلاعب بالألفاظ كيفما اتفق ويتسرع في إصدار الحكم بالكفر على كل ما لايفهمه، وعلى مخالفيه.. وقد أحسنت العلوم الدينية الباطنية صنعا حين نبهت الباحثين والمهتمين إلى ضرورة التمييز بين “الظلمات” و”الكفر”، رغم أنهما يلتقيان كوصفين مشتركين لبعض الأفكار والسلوكات السلبية التي أدانها القرآن ونهى عنها الأنبياء والرسل . فليس كل ما هو “ظلماني” حراما ولا كفرا.. قد يكون الأمر “مكروها” أو “مبتدعا” دون أن يصل إلى دائرة الكفر. والأمثلة في هذا الشأن كثيرة.. لا شك أن الطلاق “ظلمات” وليس “نورا” لأنه مؤلم ومؤسف ومحزن وقد يكون مدمرا للأطفال ومؤثرا على تحصيلهم المعرفي ومردوديتهم الدراسية، ولكنه في حكم الشرع “حلال عند الله” ، نعم… “أبغض الحلال” كما جاء في الحديث ….

 المحجوب مزاوي




قم بكتابة اول تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن