مصطفى هِلالي .. مغربيّ متفرّد وسط القيادَة العليَا للجيش الهولندي




على الجِسر

يتحدّر مصطفى هِلالي، البالغ من العمر 42 عاما، من أسرة ربّها من مدينة مكناس، بينما أمّه تنتمي إلى أصول وجديّة، وراكم 39 سنة من العيش بهولندا بعدما حلّ بهذه المملكة الأوروبيّة وهو في ربيعه الثالث .. ويواظب هِلالِي على التواصل بلسان مغربيّ دارج بطلاقة بديعة، تغلب عليها لكنة ساكنة جهة الشرق المغربيّة بفعل التأثر بالتواصل الأميسيّ خلال طفولته بالمهجر.

ترعرع مصطفى بالعاصمة الهولنديّة أمستردام التي حطّ بها الرحال سنة 1977، مستفيدا من مقتضيات مسطرة التجمّع الأسريّ السارية بالبلاد، ومكث دون تعليم ببيئته الجديدة حتّى بلغ الخامسة من عمره، ثمّ التحق بأطوار التعليم التي اندمج في مختلف أسلاكها التكوينيّة بسلاسة.

“ولجتُ مدرسة ابتدائية عاديّة في أمستردام بحلول العام 1979، مجاورا في ذلك أقراني من الهولنديّين، فكان تعليمي عاديّا جدّا ودون صعوبات تذكر .. وما زالت ذاكرتي تحتفظ بأنّي كنت مجبرا على الخضوع لحصص إضافيّة تمكّنني من معرفة اللغة العربيّة وتاريخ وجغرافية المغرب؛ ذلك أنّ تلك المرحلة شهدت غيابا لرؤية واضحة لمستقبل الأطفال المتحدرين من الجيل الأوّل من المغاربة الذين هاجروا صوب هولندا؛ حيث كنّا نعتقد بأنّه بإمكاننا أن نعود إلى الوطن الأصل، وبالتالي وجب الإعداد لذلك معرفيا”، يقول هِلاليّ وهو يشبّه تلك الفترة برجل يقف على جسر، فلا هو بهذه الضفّة ولا بتلك.

بحث عن الذات

شقّ ابن مكناس مساره الدراسيّ بنجاح حتّى التخرّج من السلك الثانويّ، وبعدها اختار الالتحاق بالتكوين الجامعيّ من أجل التخصص في اللغة الإنجليزيّة وآدابها، على أساس التمكّن من مهنة التدريس بهذا اللسان العالميّ .. إلاّ أن التجربة استمرّت عاما واحدا فقط، ليغادر هِلالِي كليّة الآداب بجامعة أمستردَام.

اختار مصطفى ولوج سوق الشغل بالمجال المصرفيّ، وذلك بعدما تأثّر بالهيئة الأنيقة لمستخدمي البنوك بهولندا، فكان أن لازم مكانه وراء إحدى مكاتب فرع مؤسّسة ماليّة، معتادا على النظر إلى وثائق المعاملات المصرفيّة وأكوام الأموال لعامين متتاليَين، ثمّ قرّر القطع مع ذلك بعدما وقف على عدم ارتياحه في العمل بهذا القطاع.

“أحسست وكأنّي انسلخت عن ذاتي في هذا الاشتغال المكتبيّ. ومثلما لم أرتح للتعاطي مع الأدب الإنجليزيّ، وجدت نفسي غير متأقلم مع بيئة العمل في المصارف، مع حفظ الفوارق بين المجالين المتباينين .. ولذلك اخترت القطيعة ظرفيا إلى أن أفكّر مليّا، علّني أجد ما يجذبنِي حقّا”، يعلّق مصطفى هلالي على تلك المرحلة.

حمل السلاح

يقول مصطفى: “ببلوغي سنّ الـ18، نلت الجنسيّة الهولنديّة، وكان ذلك، من جهة، مكمن سعادة لأنّه سيمكّنني من كل حقوق المواطنة بالأراضي المنخفضة، لكن، من جهة ثانية، كان يثير تخوفي من إمكانيّة استدعائي للتجنيد .. فقد كنت شابّا عاشقا للحريّة، وإمكانية إيداعي ثكنة عسكريّة أخافتنِي للغاية .. لكنّ توالي الأعوام جعلني أستحضر المعطى بشكل دائم في مخيّلتي التي تؤمن بالتجربة والخطأ”.

حين غادر هِلالِي عمله المصرفيّ، تيقّن بوجود رغبة لدية في المغامرة بولوج الجيش الهولنديّ، خاصّة وأنّه كان قد تأثّر بأقارب له مجندون بالقوات المسلّحة الملكيّة المغربيّة، وأسهم احتكاكه بهم، خلال فترات العطلة الصيفيّة التي كان يقضيها كل عام بالوطن، في توضيح طبيعة العمل العسكري أكثر لديه.

يعود الهولنديّ ذو الأصول المغربيّة بذاكرته إلى ما قبل 20 عاما من الحين كي يقول: “فكّرت كثيرا في الجيش كبوابة لتغيير حياتي، وأقنعت نفسي بإمكانية خوضي للتجربة بناء على تعاقد يستمرّ ثلاث سنوات، وعقب انقضائها أقرّر ما إذا كان بإمكاني الاستمرار من عدمه، خاصّة وأنّي بصمت على تغييرَين في توجّهي، ولن يضرّني إضافة تغيير ثالث إليها في حال وصول الأمور إلى ما هو سيء”.

قدّم مصطفى هلاَلي طلبا إلى الجيش الهولنديّ من أجل انضمامه إلى صفوف القوات المسلّحة، فنال قبولا مبدئيا مع عرض يمكّنه من الالتحاق بالأكاديميّة العسكريّة، لكنّه أبدَى تحفظا على تكوين عسكريّ عال لم يحسم بعد في مدّة الالتزام به، واختار التضحيّة بمستواه الدراسيّ كي يكون مجنّدا بسيط بين حملة السلاح العسكريّين في هولندا.

كُسكُس واقتناع

بعد فترة بسيطة من التدريب العسكريّ، ألحق مصطفى بثكنة عسكريّة هولنديّة توجد بالتراب الألمانيّ، واختير للمشاركة ضمن قوات حفظ السلام بالبوسنَة لمدّة 6 أشهر .. فكانت تلك تجربة فريدة بالنسبة إليه، خاصّة وأن موقع تواجده مكّنه من التعرف على معطيات لم ينتبه مسبقا إليها بالرغم من كونها على مرمَى حجر من الديار الهولنديّة.

بدت لي الأمور غريبة بادئ الأمر بالبوسنة وأنا أطالع منازل مهدّمة وأناسا معطوبين وآخرين مصدومين بفعل ما وقع بين مسلمي البلاد ومسيحيّيها، وسيطر على ذهنِي سؤال واحد دون سواه: كيف يمكن أن يصدر شيء من هذا القبيل عن أناس يعيشون في عصرنا الحاليّ”، يورد العسكري ذو الأصول المغربيّة.

ويواصل هلالِي في لحظة استذكار لنوستالجياه: “فرحت بالتقاء إخوتي المغاربة في البوسنَة، وقد كانوا ضمن تجريدَة أمميّة لحفظ السلام بالبوسنَة .. ذلك أن احتكاكي بالمغاربة يبقَى حدثا متميّزا بالنسبة إليّ، وأنا ابن البلاد نفسها أصلا .. ومازلت أذكر أنِّي كنت معتادا على طعام الثكنة الهولنديّة، بينما لقاءاتي مع الجنود المغاربة شهدت ترحيبا بي من خلال تقديم أطباق كسكس وأكواب شاي على الطريقة المغربيّة”.

لم يكمل مصطفى نصف سنة من الخدمة بالبوسنة حتّى حسم في اختياره لحياة العساكر، فقرّر تمديد عقده مع القوات المسلّحة للمملكة الهولنديّة، وأيضا الالتحاق بالأكاديميّة العسكريّة بمدينَة “برِيدَا” حتّى تخرّج فيها ضابطا في القوات البريّة، برتبة مُلازم “Sous-Lieutenant”، ومنها عاود الالتحاق بثكنة في ألمانيا رئيس فيلق، فاتحا لنفسه مجالا للتطبيق الميدانيّ لما تمكن منه نظريا.

خدم مصطفى هِلالي الجيش الهولنديّ، خلال مسيرة من عِقدَين اثنين، على رأس وحدة للمظليّين مستقرّة بالأراضي المنخفضة، كما اشتغل بمهام عسكريّة فوق الترابين الأفغانيّ والعراقيّ، وخضع سنة 2012 لبرنامج تكوين أكاديميّ إضافيّ بالمدرسة الحربيّة، استمرّ مدّة عام ونصف العام، ثمّ التحق بمكاتب وزارة الدفاع الهولنديّة، بينما يشتغل حاليا بمدينة “أوتريخت” وسط القيادَة العسكريّة العليَا للبلاد.

نقد ذاتيّ وAudace

يستجمع مصطفى هِلالي أفكاره قبل أن يعلّق على مساره بالقول: “الأمور سارت بشكل جيّد، فقد أصبت في اختياري الذي استكمل 20 عاما من الخدمة العسكريّة، وأنا الحين برتبة مُلازم عقيد (Lieutenant-Colonel)”، ثمّ يضيف: “لا حدود للمستقبل؛ إذ يمكنني التقدّم في الرتب أكثر، لكنّ ذلك ليس ذا أهميّة بالنسبة إليّ، وتركيزي منصب على دوافع الاختيار التي ترتبط بتقديم خدمة للنّاس الذين أضحوا خائفين أكثر من أي وقت مضى، متأثرين بالتوجسات من الحروب والإرهاب، ومهمتي نزع هذا الخوف وتوفير الحماية، لذلك أرغب في الاستمرار بأداء هذا العمل حتّى التقاعد”.

“هناك العديد من الشباب الذين يحبذون استشارتي في اختياراتهم لمساراتهم المهنيّة، ويقولون: أنت نجحت في الجُنديّة، هل يمكن أن نصير مثلك؟ .. ولهؤلاء وغيرهم أقدّم نصيحة عسكريّة صرفة L’audace, l’audace .. toujours l’audace”، يورد العسكريّ الهولندي ذو الأصل المغربيّ قبل أن يسترسل: “على الناس أن يقوموا بما يحبون، مثلما فعلت أنا.. إذا كانوا يحبون الموسيقى فعليهم بهذا الفنّ .. على الكل أن يتواجد بالموقع القريب من راحته، وأن يحسموا خياراتهم بشكل تامّ دون بذرة شكّ، أمّا الحيرة فهي من محبطات العزم وسُلّم نحو الفشل”.




قم بكتابة اول تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن