العلاقات بين الجاليتين المغربية والجزائرية في المهجر




بعيدا عن التراشقات الإعلامية و التصريحات الرسمية التي صبغت العلاقات المغربية الجزائرية بالتوتر منذ سنوات خلت ، تعرف الروابط الإجتماعية بمختلف تجلياتها بين أبناء البلدين بالمهجر تقاربا و تداخلا يعكس صورة إيجابية لروابط عدة تجمع الشعبين. تتعدى هذه الروابط نطاق التعاملات المحدودة إلى روابط أوثق سواء في الميدان الإجتماعي، الإقتصادي أو السياسي حيث ينخرط أبناء الجالية المغاربية معا بعدد من المؤسسات و الهيئات التي تؤثث بالخصوص فضاء العمل الجمعوي و السياسي ببلدان الغرب.
و إذا كانت حالة الحذر و القطيعة المستمرة منذ أواسط التسعينيات أهم سمات العلاقات الرسمية بين المغرب و الجزائر، فإن التبعات السياسية لهذه الحالة أضرت و لا شك بباقي مجالات التعاون بين البلدين بعدما غابت المبادرات المشتركة التي كان من شأنها أن تدفع بعجلة التنمية للأمام في المنطقة. كما أرخت حالة الركود هذه بظلالها على مختلف قنوات التواصل بين الشعبين التي تأثرت هي الأخرى بشكل كبير و أضحت فئات عريضة من أبناء البلدين تساير الإعلام المسيس في خطابه العدائي تجاه الآخر.
أما في بلاد المهجر سواء بالديار الأوربية أو الأمريكية حيث يتواجد أبناء الجاليتين المغربية و الجزائرية بكثافة، يخطوا مسار العلاقات بين الشعبين في الإتجاه المعاكس لما ألفته كواليس السياسة من توتر و حرصت وسائل الإعلام بالبلدين على ترسيخه بشتى الطرق. فقد منحت بلاد المهجر فرصة للتقارب بين المغاربيين و سمحت عملية الإحتكاك و التواصل ببناء جذور الثقة على نحو إيجابي حيث يصر الكل على كسر جدار العزلة و

الخوف من الآخر الذي فرضته و لا زالت آليات الإعلام المسيس بالبلدان الأم.
يؤمن أبناء الجالية المغاربية بالمهجر بحتمية المصير المشترك و باتوا ينأون عن كل ما قد يشكل عقبة في سبيل المضي قدما. و هكذا تتلاشى الفوارق بينهم و تخيم روح الأخوة و التعاون مجسدة في عدد من المشاريع المشتركة و التعاملات اليومية، بل و تتعدى هذه الروابط في أحيان كثيرة سقف التعاون أو الخدمات المتبادلة إلى روابط التزاوج و المصاهرة بين المغاربة و الجزائريين بالخصوص. ففي فرنسا مثلا حيث يفوق تعداد المغاربيين الثلاثة ملايين نسمة من مجموع سكان البلد، لا يكاد يمر أسبوع دون أن تشهد إحدى بلديات التراب الفرنسي عقد قران أحد طرفيه من أصل مغربي و الآخر من أصل جزائري.
وهكذا تتعدد صور التعاون الوثيق بين أبناء المغرب و الجزائر ببلاد المهجر لتضرب بعرض الحائط كل ما تروج له وسائل الإعلام بالبلدين من خطابات لا زالت تراهن على التفرقة بين الشعبين. في بلد مثل كندا، يوجد عدد كبير من المشروعات المشتركة بين المغاربيين عبارة في الغالب عن محلات تجارية و مطاعم و مراكز لتسويق الخدمات و شركات تعمل بمجال الإلكترونيات ، بل و حتى مؤسسات تقدم خدمات الأنترنت باتت تنافس نظيرتها المحلية سواء على مستوى الجودة و الأسعار.
من جانب آخر، تشير أرقام وزارة السياحة بالمغرب مثلا إلى زيادة في تدفق الزوار الجزائريين على هذه الوجهة السياحية و القادمين خصوصا من بلدان أروبية. يجسد هذا المعطى مدى التقارب بين الشعبين، كما يدل بوضوح على انعدام تأثير المواقف السلبية ـ التي تتبناها الدوائر السياسية في المغرب و الجزائر تجاه بعضها البعض ـ على أبناء المهاجرين.
إذا كان التوافق و التعاون هو السمة الأساس التي تطبع أواصر الأخوة بين الشعوب المغاربية المقيمة ببلاد المهجر، تبقى مجموعة من التساؤلات مطروحة بخصوص الجهات المستفيدة من استمرار حالة التوتر بين المغرب و الجزائر. فمقومات التعاون و التكامل بين البلدين كفيلة بأن تجعل منهما قوة إقتصادية و سياسية ليس بالمنطقة فحسب و إنما على الصعيد العالمي أيضا.




قم بكتابة اول تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن